السبت، 26 يناير 2013

الضائع في متاهة الحلم’’الكاتبة عفاف الذيبي’’




-الضائع في متاهة الحلم-
جمع النجوم, وأخذ يدور حول القمر, طفل يبعثر المكتبة...
يختبئ بين الأوراق والدفاتر.
لا أجده حين أسمعه يقول’’ليل بدون نجوم, قمر لا يرتدي قميصا للنوم’’
أسمعه ولا أراه,شقية حركاته,خفيفة دمعته,ثقيلة ضحكته.
سمعت خشخشة بين الكتب انه هو..يختبئ في كتاب ما...
حملت لي الموسيقى صوته خال من التصنع, ربيعي النبرة, خريفي اللهجة,
شتائي النغمة.’’شهرزاد أمي..أرضعتني الحكاية..ونمت فوق جبينها,وغطتني بشعرها,
وقشرت خطايا خرافاتها من فوق جلدي, وقلمت أظافري, ثم قدمتني هدية للسجان...’’
شهريار يضرب عرشه...عرش الحكايات والأغنيات, ليصنع من الورق المعطر أوهاما
ينشرها في قصره, ولا ينظر حوله لأن عيناه مشدودتان لأنفه الطويل.
الجلاد يهوى سيفه ويدعي بأنه كل أحبائه.
الزنزانة تعد أصابعها العشرة لتنام...لكن النوم لا يعرف طريقا للتسلل لوسادتها.
الزنزانة جدران خاوية البطن ,تجتر صمتها وصراخ العناكب...
ضجر الطفل من ثقل الأسطر ,فقفز خارجا.
سمعت خشخشة تبعتها قهقهة ,في كتاب آخر ,ثم عاود الغناء حين استقر بهي المكان
وطاب لديه الزمان.’’أراجيح معلقة تحملني...تحلق بي...ملاك يحرسني ولا يعاتبني ...
أنهار من الشوق تحيط بي ...وفجأة تمر ولا أستنشق فيها طعما للحياة, تمر دون
أن تترك وراءها نغمة لأوتارها...وحين وقعت تحت السطر تبخرت ألعابي
وتبعثرت, ورجل يغلق الباب في وجهي مطالبا بصك التوبة.
وآخر يرسم الجنة لآخر, فتاه الاثنان وخذلتني الأوهام.’’
ما من أحد انتبه لوجود الطفل كأنه ظل يعمي الأبصار, وحبة رمل بيضاء
تحاصرها الرمال.
يركض بين الرفوف ويلاحقه بصري كبصيص من الأمل, أسمعه ولا أراه,
وحين تهدأ ثورته وتسكت ضجته ,أدرك أنه بين ضفتي كتاب أخر...
جلست وحدي في ركن المكتبة, يغمرني التوتر بين الحين والحين,
مرة ترتعش شفتاي,ومرة أضم وجهي بكل يدي...لا أعرف ما بي...؟
ربما من شدة برود هدا الركن المتجهم الوجه الذي يتلون ثم ينحسر
دائري الفم أزرق العيون متفحم النظرة.ثم أطمئن قليلا حين أداعب طرف
ضفيرتي وأمرر يدي على رأسي لأمسح قطرات الندى التي تنبت تحت شعري
وترمي جذورها على وجهي لأصبح غيمة صفراء,بيضاء,زرقاء لا تمطر,
ولا تمر لتترك الزاوية المليئة بي.
يعاودني الخوف والتوتر من جديد,ربما أخاف ضياع هدا الطفل المعلق كوسام
على صدر النجمة, وفجأة تنقشع كل الألوان الضيقة, الداكنة, عندما تحمل لي النسمات
صوته وهو يعاود الغناء.’’مسرح يجوب العالم, يحمل بسمتي التائهة, أركض نحوه
لأختبئ بين ضحكات البراري,تهرب الضلال من أمكنتها,ملاحقة العربة
ويبقى ظله يغمر التلال, والجداول, كامل الأرض, كل الكون يختصره في ضحكة,
وتنقش صورته بماء البهجة, وكأنه هرم ينشر رداءه حول شفاهنا لتخرج البسمة
قنديلا نرى من خلاله وجه البراءة حين تنفخ الرياح ذخيرتها لتقتحمها.
طال غياب الطفل بين الأوراق,وما أثار حيرتي صمته المفاجئ .
بقيت أرقب الكتاب,توقفت ساعتي,توقف الزمن,تجمد بصري,وغارت أنفاسي,
ضاع الطفل بين التلال...صعد المسرح...أعجبه الجمهور...
استهواه لباس البهلوان...عرف أن الحياة مسرح وضياع.
أمعنت النظر أكثر...إني أراه...يركض نحوي...نعم انه يركض نحوي...
فتحت ذراعي له وابتسمت برغم كل الألوان التي تغسلني من بياضي,
وتمارس حولي قسوة الرسم.
اقترب أكثر...اقتحم صدري...وضاع بين الأوراق. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق